زيارة ماكرون تفتح جرح القرى الحدودية: مهجّرون لبنانيون يناشدون العودة إلى أرضهم
أمير بدوي - الاخبار

مع وصول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، يعود إلى الواجهة واحد من أكثر الملفات الإنسانية والسياسية اللبنانية إيلاماً، وهو ملف العائلات اللبنانية التي أُجبرت على مغادرة منازلها وقراها الحدودية، ولا تزال تنتظر العودة إلى أرضها وأرزاقها، بعدما غابت منازلها عنها، وتحولت حياتها إلى رحلة مستمرة من النزوح والانتظار.
وبينما تفتح زيارة ماكرون الباب أمام نقاشات تتعلق بمستقبل العلاقات الأوروبية مع سوريا الجديدة، والاستثمارات والانفتاح السياسي، يرفع أبناء القرى الحدودية صوتهم مطالبين بأن يكون الإنسان أول الملفات التي تُطرح، وألا يبدأ أي حديث عن مرحلة جديدة قبل معالجة جراح المدنيين الذين فقدوا بيوتهم وأراضيهم.
هؤلاء اللبنانيون لا يحملون مشروعاً سياسياً، ولا يريدون الدخول في صراعات إقليمية أو حسابات دولية. مطلبهم، كما يؤكدون، العودة إلى المنازل، استعادة الأراضي، حماية الممتلكات، وإنهاء مأساة النزوح القسري التي فُرضت عليهم.
ومنذ سقوط نظام بشار الأسد، دخلت هذه القرى مرحلة قاسية من المعاناة. ووفق شهادات الأهالي، تعرضت منازل للحرق، وسُلبت ممتلكات، وفقد أصحاب الأراضي القدرة على الوصول إلى أملاكهم، فيما بقيت عائلات كاملة بعيدة عن قراها، رغم أن معظمها من المدنيين الذين لم يكونوا طرفاً في أي مواجهة.
غير أن الجرح الأكبر، كما يقول السكان، لم يكن فقط في خسارة البيت والأرض، بل في شعورهم بأن الدولة اللبنانية نفسها غابت عن قضيتهم.
نساء القرى: «لا نريد السياسة… نريد العدالة»
في الفاروقية، تعبّر أم عبده عن صوت كثير من النساء اللواتي وجدن أنفسهن أمام مأساة لم يخترنها. فهي لا تريد الدخول في الحسابات السياسية، ولا تريد أن تكون جزءاً من أي خلاف بين الدول، بل تختصر مطلبها بنداء إنساني واضح.
تقول أم عبده: «نحن نساء قرى، لا نريد أن ندخل في السياسة. لا نريد سوى أن نعود إلى بيوتنا، وأن يعيش أطفالنا بأمان، وأن نستعيد حياتنا التي توقفت بسبب التهجير».
وفي رسالة مباشرة إلى الرئيس الفرنسي، توضح أم عبده: «نسمع كثيراً عن القيم الفرنسية، وعن الدفاع عن الإنسان وعن حقوق المرأة والطفل. ونحن اليوم نسأل: هل هذه القيم تُطبّق أينما وجد الإنسان، أم فقط عندما تكون هناك مصالح سياسية واقتصادية؟».
وتضيف أن النساء والأطفال كانوا أكثر من دفع ثمن هذه المأساة، وأن المطلوب، قبل الحديث عن الاستثمارات والعلاقات والانفتاح، هو ضمان حق العائلات في العودة إلى منازلها.
أما أم إبراهيم من زيتا، فتجسد في حديثها وجع الأمهات اللواتي عشن تجربة فقدان الأمان، قائلة إن التهجير لم يكن مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل كان اقتلاعاً لحياة كاملة.
(من الويب)
(من الويب)
وتوجّه بدورها نداء إلى ماكرون: «نحن لا نطلب مشروعاً سياسياً ولا نطلب شيئاً خارج حقنا. نريد أن يعود الطفل إلى مدرسته، وأن تعود المرأة إلى بيتها، والرجل إلى أرضه، وأن تنتهي حياة الخوف والانتظار».
وترى أم إبراهيم أن أي حديث عن سوريا الجديدة وعن علاقتها بأوروبا يجب أن يبدأ من حماية المدنيين، لأن احترام الإنسان وحقوقه هو الاختبار الحقيقي لأي مرحلة جديدة.
الرجال يحملون وجع الأرض والملكية
أما أبو علي الضيقة، من سكان زيتا، فيتحدث بصفته أحد أصحاب الأراضي الذين حُرموا من الوصول إلى مصدر رزقهم.
ويقول إن أبناء القرى الحدودية لا يبحثون عن صراع، ولا يريدون أن يكونوا ورقة في أي مواجهة سياسية: «نحن نريد أرضنا وبيوتنا وأرزاقنا. الإنسان يستطيع أن يتحمل ظروفًا كثيرة، لكنه لا يستطيع أن يعيش وهو يرى أرضه وبيته بعيدين عنه».
ويؤكد أبو علي أن العودة ليست مطلباً سياسياً، بل حق طبيعي لكل إنسان فقد منزله وممتلكاته.
أما أبو هادي السحمراني، فينظر إلى القضية من زاوية أشمل، مؤكداً أن أبناء القرى لم يبحثوا يوماً عن بديل عن الدولة اللبنانية، قائلاً: «نحن لم نطلب أن تحل أي جهة مكان الدولة، لكن الدولة عندما غابت عن قضيتنا دفعتنا إلى البحث عمّن يسمعنا».
ويعتبر أن مسؤولية الدولة اللبنانية مضاعفة: أولاً لأنها لم ترفع قضية أبنائها المهجّرين بالشكل المطلوب، ولم تجعل عودتهم ملفاً وطنياً أساسياً، وثانياً لأنها، بفعل هذا الغياب، دفعت هؤلاء المواطنين إلى طرق أبواب جهات أخرى محلية وإقليمية ودولية بحثاً عن حل.
ويضيف أبو هادي أنه «لم يعد يهمنا من يحمل الملف، ما يهمنا أن نعود إلى بيوتنا وأراضينا وأرزاقنا، وأن تنتهي هذه الرحلة المأساوية من النزوح القسري».
الدولة اللبنانية في مرمى الانتقادات: أين كان دورها؟
يحمّل أبناء القرى الحدودية الدولة اللبنانية مسؤولية مباشرة عن استمرار معاناتهم، إذ إن المشكلة بالنسبة إليهم لا تكمن فقط في عدم الوصول إلى حل، بل في غياب الإحساس بأن هناك من يحمل قضيتهم.
ويتساءل الأهالي: لماذا لم تتحول قضية اللبنانيين المهجّرين إلى ملف رسمي دائم؟ ولماذا لم تستخدم الدولة كل أدواتها السياسية والدبلوماسية للمطالبة بعودة مواطنيها وحماية ممتلكاتهم؟
ويطرحون مقارنة مؤلمة مع ملفات أخرى عولجت بسرعة، ومنها ملف المعتقلين السوريين الذين أُطلق سراح عدد منهم وسُلّموا إلى السلطات السورية، متسائلين: إذا كانت الدولة قادرة على التواصل والتحرك في ملفات حساسة، فلماذا لم يكن ملف اللبنانيين المهجّرين في مقدمة هذه الملفات؟
ولا يعترض الأهالي على معالجة أي قضية إنسانية، لكنهم يسألون عن الأولويات: أين موقع المواطن اللبناني الذي فقد بيته وأرضه وحقه في العودة؟
وبالنسبة إليهم، فإن غياب الدولة لم يترك فراغاً سياسياً فقط، بل ترك جرحًا في ثقة المواطن بوطنه.
رسالة إلى ماكرون: قبل الاستثمارات هناك الإنسان
اليوم، ومع زيارة ماكرون إلى دمشق، يوجه أبناء القرى الحدودية نداءهم مباشرة إلى الرئيس الفرنسي.
هم لا يطلبون من فرنسا أن تكون بديلاً عن دولتهم، ولا يطلبون تدخلاً سياسياً يتجاوز حقوقهم، بل يطلبون موقفاً إنسانياً يساعد على إعادة أصحاب الأرض إلى أرضهم.
(رويترز)
(رويترز)
ويقول الأهالي إن فرنسا، التي ترفع منذ عقود شعارات الدفاع عن حقوق الإنسان والحريات وحماية الفئات الضعيفة، مدعوة إلى النظر إلى قضيتهم من هذا المنطلق.
فقبل الحديث عن الاستثمارات، وعن فتح العلاقات، وعن بناء شراكات جديدة مع سوريا، هناك سؤال أساسي: هل ستكون حقوق الإنسان وحماية المدنيين جزءاً من هذه المرحلة الجديدة؟
ويرى أبناء القرى الحدودية أن عودة النساء والأطفال والعائلات إلى بيوتهم يجب أن تكون اختباراً حقيقياً لأي انفتاح دولي على سوريا الجديدة.
العودة… المطلب الوحيد
بعد كل ما مرّ بهم، لا يحمل المهجّرون مشروعاً للانتقام، ولا يبحثون عن مكاسب سياسية، ولا يريدون أن يكونوا وقوداً لأي صراع.
كل ما يريدونه هو أن يعودوا إلى بيوتهم، إلى أراضيهم، إلى أرزاقهم، وأن تنتهي رحلة النزوح القسري، حيث لا يزال كثيرون منهم يحتفظون بمفاتيح منازلهم، ويحملون معها سؤالاً موجّهاً إلى كل من يتحدث عن مستقبل المنطقة:
هل يبدأ المستقبل من الاتفاقيات والاستثمارات، أم يبدأ من إعادة الإنسان إلى بيته وحماية حقه في الحياة بكرامة؟
أما أبناء القرى الحدودية، فلا يملكون سوى جواب واحد: «نريد العودة فقط… نريد أن نعيش في أرضنا بسلام من جديد».



